أردف عضو هيئة التدريس بالمجمع خلال الإشارة إلى الإستراتيجيات القرآنية للوقاية من الجنوح وحدوث الجريمة ضد السلامة الجسدية للإنسان قائلا: يسعى الإسلام وراء رسم أفق في قضية العلاقات الاجتماعية، ما يؤدّي تصميم هذا البرنامج إلى الحيلولة دون كثير من النقاشات والخلافات.
۱۴۰۳-۰۳-۲۲
طبقا لتقرير قسم العلاقات العامة في المجمع العلمي العالي للثقافة و الفكر الإسلامي، قد عقد قسم الفقه والقانون في المجمع بالتعاون مع مركز الدراسات الإسلامية التابع لمجلس الشورى الإسلامي كرسيا علميا ترويجيا في موضوع «إستراتيجيات الوقاية الاجتماعية للسياسة الجنائية الإسلامية في حماية السلامة الجسدية للإنسان» في يوم الأحد، التاسع من يونيو 2024 بشكل حضوري وافتراضي.
تمّ عقد هذا الكرسي العلمي بحضور الحجة الإسلام الدكتور علي المحمدي جوركويه كالمقدّم والحجة الإسلام الدكتور جلال الدين القياسي والدكتور السيد محمود ميرخليلي كالناقد، ففي التالي ستقرأ زبدة من النقاشات:
من الموضوعات المهمة في مجتمعات اليوم هو موضوع السياسة الجنائية، وبما أنّ القانون الجنائي قد فشل في مكافحة الجنوح، فقد دفع هذا المفكرين إلى الاعتماد على السياسة الجنائية لمكافحة الجنوح، كما تتكئ التعاليم الإسلامية على هذا الرأي ويمتلك الإسلام سياسة خاصة لمكافحة الجنوح. إنّ ما درسه فقهاؤنا هو العقاب بالنسبة إلى كل جريمة، إلا أنّه يعتبر الحلقة الأخيرة في مكافحة الجنوح، فينبغي أن يدرس فقهاؤنا سياسة الإسلام الجنائية في كل من مصاديقه. على سبيل المثال نكتفي في الفقه بتسليط الضوء على تعريف هذه الجرائم وشروطها وعقوبتها، غير أنّ الإسلام يسعى وراء عدم تحقق هذه الجرائم.
اقتصرنا على الحلقة الأخيرة في مكافحة الجنوح
كذلك الأمر بالنسبة إلى الجرائم ضد السلامة الجسدية، فلا نجد فقيها يدرس تدابير الإسلام لوقاية الجرائم ضد السلامة الجسدية لأعضاء المجتمع، وإنّما ناقشوا حول تعريف القتل وأنواعه وعقوبته وطبعا هذا لا يوصلنا إلى النتيجة. كلما يتّسع نطاق النظام القضائي اليوم لا تنخفض الجرائم في أي من البلدان، كما يتمّ توسيع النظام القضائي في بلدنا لكن لا نشاهد انخفاضا في إحصاءات الجرائم والسبب هو أنّنا لم نهتم بالحلقات الأكثر أهمية واقتصرنا على الحلقة الأخيرة في مكافحة الجنوح.
إنّ الجزء المهم من السياسة الجنائية هي الوقاية الاجتماعية من الجنوح وهذا هو الجزء الأهم في مكافحة الجنوح، يجب بذل قصارى الجهود لعدم كسر هذا الحاجز. اهتمّ الإسلام بهذه القضية اهتماما بالغا ويسعى وراء وصول أعضاء المجتمع إلى درجة من تهذيب النفس والمقاومة، حيث عندما يتعرّض لوسوسة انتهاك القيم، يقدر على الوقوف أمام هذه الوسوسة، وكذلك يحاول نحو إزالة المجالات والأرضيات التي تسبب الجريمة، وقد تكون هذه المجالات سياسية أو اقتصادية أو ثقافية. قد اختصّ جزء من بحثنا حول السياسة الجنائية للإسلام وإيران بما يتعلّق باستفادتنا من القرآن حول إستراتيجيات الوقاية الاجتماعية من الجرائم ضد السلامة الجسدية وحياة الإنسان.
أسس الأفق الإسلامي الأسمى في العلاقات الاجتماعية
يبدو أنّه يستفاد من الآيات القرآنية أنّ الإستراتيجيات الوقائية في موضوع الحماية من حياة الإنسان يمكن تصنيفها في قسمين: أحدها الإستراتيجيات القبلية والأخرى الإستراتيجيات البعدية. القبلية يعني قبل حدوث الخلافات والنزاعات، فقد قدّم القرآن حلولا للحيلولة دون نشوب الخلافات والنزاعات في العلاقات البشرية. استطعت تنظيم بعض الإستراتيجيات في موضوع الإستراتيجيات القبلية، بما فيها: سعي الإسلام نحو تصميم أفق في موضوع العلاقات الاجتماعية، الذي يساعد في منع كثير من النزاعات والخلافات. إنّني أعتقد بأنّ هذا الأفق الذي تمّ تصميمه جميل إلى حد يمكن أن نعبّر عنه بالأفق الأسمى، فإذا أتبعنا هذا الأفق تزول الأرضية لكثير من الأخطاء والنزاعات والخلافات.
قد بنى الإسلام هذا الأفق الأسمى على عدة أسس، بما فيها الوحدة. يسعى الإسلام وراء الوحدة بين أبناء البشر جدا. يؤدّي الاعتماد على الوحدة إلى التعاطف والتعاون، ونتيجة لهذا التعاطف يتحقّق التقدّم ويسيطر الهدوء على أعضاء المجتمع. طبعا إذا ساد هذا التقدّم والهدوء على المجتمع تنخفض الخلافات إلى حده الأدنى، وهذا لأنّ التعاون يسبب أن يعتبر الجميع مصالح الآخرين، مصالحهم، فلا يوجد سبب للصراع بطبيعة الحال. تعني الوحدة الأحادية وينشأ الخلاف من الثنائية. عندما يوصي الله بالوحدة يقول كنتم متعرّضين للتبعثر والخلاف، ما كان يهلككم، فأنقذكم الله من هذا الخلاف. وعليه فالوحدة من أسس هذا الأفق الأسمى في العلاقات الاجتماعية، والتي هي إستراتيجية الإسلام لحماية حياة الإنسان.
الأساس الآخر لهذه الإستراتيجية هو الحب والتعاطف. يهدف الإسلام نحو سيادة الحب بين الأشخاص. ويؤدّي هذا الحب والتعاطف إلى الدفء والألفة، وطبعا لا ينبثق الخلاف والنزاع من الرؤية العاطفية بعضنا إلى البعض. يقول الإمام علي (ع) في رسالته لمالك الأشتر: أشعر قلبك الرحمة للرعية… فإنّهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق. صحيح أنّ الرسالة موجهة لمالك الأشتر إلّا أنّها موجهة نحو جميع الحكام والناس. الأساس الآخر لهذه الإستراتيجية هو «السلم»؛ يعني اتخاذ السلم في العلاقات الاجتماعية. يقول الله سبحانه في القرآن: «أدخلوا في السلم كافة» يقول أحد المفسرين أنّ السلم يعني الوفاق الاجتماعي. يمنع الوفاق الاجتماعي كثيرا من الخلافات والنزاعات.
إنّ الأساس الآخر لهذا الأفق الأسمى والعالي هو العفو. ينبغي للمسلمين أن يعفوا عن أخطاء الآخرين في العلاقات الاجتماعية وليس السعي وراء الانتقام. يذكر الله سبحانه قضية العفو في عداد صفات المتقين. يقول أحد المفسرين أنّ كظم الغيظ أمام أخطاء الآخرين أمر حسن لكنّه ليس بكاف، بل يجب على الإنسان أن يعفو عن الآخرين حتى لا يبقى في قلبه حقد. الإستراتيجية الثانية للإسلام هو ترسيخ القيم، ويهدف وراء تثبيت القيم حتي تتأصل في الإنسان، إحدى الخطوات للترسيخ هوتعزيز المشاعر الإنسانية الرقيقة. يحاول القرآن ليثير المشاعر في الإنسان ويعزّزها ويثبّتها.
تمّ تقديم عدة إستراتيجيات بعدية، بما فيها أنّ القرآن يحاول نحو ازدياد معرفة الإنسان ويجب أن ينظر الناس بعضهم إلى بعض برؤية معرفية. ينبغي أن يتحقق هذا من عدة طرق، حتى يلتفت الجميع إلى قيمة الآخرين الإنسانية ويدرك مكانة الإنسان العالية. من الجهات التي تجب معرفتها هو أنّ الله سبحانه اعتبر الإنسان أشرف المخلوقات. والإستراتيجية الأخرى التي اتخذها الله سبحانه هي تذكير الإنسان بأنّه عاهد الله عهدا، والذي هو عدم الاعتداء على حياة الآخرين. والإستراتيجية التالية هو الحثّ على حفظ حياة الإنسان.
التفريق في السياسة الجنائية
استكمالا للاجتماع أضاف السيد محمود ميرخليلي، العضو في هيئة التدريس بجامعة طهران كالناقد، قائلا:
كما أشاروا، إنّ أغلب التوجيهات في السلطة القضائية نحو رد الفعل والعقوبة. ونأمل أن تتّجه ثقافة مجتمعنا يوما ما إلى الوقاية الاجتماعية. يجب أن أقول لكم بالنسبة إلى هذه الخطة، إنّ سياسة الإسلام الجنائية هي سياسة تفريقية والتي البعد الأهم فيها هي الوقاية الاجتماعية.
وأضاف قائلا: إنّ التفريق هو مصطلح خاص يستخدم في السياسة الجنائية وفي مجال يختلف النهج تماما، مثل جرائم العسكريين ورجال الدين التي تختلف الظروف فيها بالكامل. إذا أردنا أن نطرح قضية التفريق في السياسة الجنائية، فأحد مصاديقها هو الفرق بين جرائم أصحاب الياقة البيضاء والزرقاء، لكنّ الاستفادة من هذه الكلمة ليست صحيحة وإذا كانت القضية صحيحة، فلابد أن تكون لكل جريمة سياسة جنائية خاصة.



