طبقا لتقرير قسم العلاقات العامة في المجمع العلمي العالي للثقافة والفكر الإسلامي، فقد عقد قسم الفقه والقانون في المجمع بالتعاون مع منتدی الفقه والقانون الإسلامي بالحوزة اجتماعا علميا تحت عنوان «اتجاه استراتيجي فقهي قانوني جديد في آيات الحجاب» بشكل حضوري وافتراضي.
تمّ إقامة هذا الكرسي العلمي بتقديم الحجة الإسلام والمسلمين السيد محمد حسن جواهري ونقد الدكتور محمود حكمت نيا، وكان الحجة الإسلام الدكتور غلام رضا بيوندي السكرتير العلمي.
إليكم نبذة من المحتوی الذي قدّمه الحجة الإسلام والمسلمين السيد محمد حسن جواهري العضو في الهيئة العلمية بقسم البحوث القرآنية:
أ. آيات الحجاب
هناك آيات عديدة حول الحجاب والتي تختصّ بعضها بأعضاء الأسرة؛ مثل الأوقات التي يجب علی أعضاء الأسرة الاستئذان قبل الدخول في غرفة الأبوين، كما بعض الآيات تتعلّق بالأحكام الخاصة لأزواج النبي (ص)، غير أنّ بين آيات الحجاب، تشتمل الآيات 30 و31 و60 من سورة النور و59 من سورة الأحزاب، علی الأحكام العامة للحجاب. عليه إنّما يتمحور الكلام حول هذه الآيات وسنتطرق إلی بقية الآيات حسب الحاجة والضرورة.
الآيات ۳۰- ۳۱ من سورة النور
– وَ قُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَ يحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ لْيَضْرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ عَلىَ جُيُوبهِنَّ وَ لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ … وَ لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يخُفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَ تُوبُواْ إِلىَ اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ.
- قد ذكر حكم الحجاب في الآية 31 تفصيليا وقبل هذا لم تكن النساء ملتزمات بهذا النوع من الحجاب، أو لم يكن بينهنّ شائعا، رغم أنّهن كنّ يرتدين الحجاب بشكل أو بآخر بدرجات مختلفة التي تقدّم ذكرها، خاصة كانت تشدّ الحرائر علی رئوسهن شيئا ليتميّزن من الإماء.
- عبارة «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا» حكم عام ومجمل الذي يتمّ تفسيره بالوجه والكفين طبقا للأحاديث والفتاوى المشهورة وطبقا لبعضها الأخری، إضافة إليهما تمّ تفسيره بالقدم والكاحل أو تُرك للعرف، ويعتبر الوجه والكفين المصداق الغالب؛ بعبارة أخری، علی سبيل المثال من كانت مهمتها غسل الملابس في النهر، فمن الطبيعي أنّه يعتبر « إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا» بالنسبة إليها، أعلی من المعصم قليلا، لأنّه عند غسل الملابس لا يغطّی إلى المعصم عادة، لكن عند البيع والشراء أو الزراعة يتمّ التغطية إلى المعصم، وعليه قد يكون التفسير بالوجه والكفين كالمصداق الغالب (والله العالم).
- تشير الآية «وَ لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يخْفِينَ مِن زِينَتِهِن» إلی أنّه يشمل حكم الحجاب، الساق حتی الكاحل (حيث يوجد الخلخال) والمقصود من «ما يخفين من زينتهن» الخلخال ومثله، وهذا لأنّ «ليعلم» يعني ليعرف. وحتی إذا اختفي الخلخال، يعرف الآخرون أنّ المرأة قد لبست الخلخال بضربة القدم. وقول البعض بأنّ المقصود هي الزينة الطبيعية (التي تسمّی بالجمال) ليس صحيحا. لأنّه إذا كان المراد الزينة الطبيعية كان يجب التعبير بهذا الشكل: ولا يضربن بأرجلهن لتظهر الزينة الطبيعية (بدلا من «ليعلم»)؛ يعني يعرف الجميع وجود الزينة الطبيعية وما يتحقّق بضرب القدم علی الأرض هو الظهور وليس العلم؛ غير أنّ الخلخال المخفي يبقی مخفيا إذا لا تضرب المرأة قدمها علی الأرض. قد استخدمت الزينة بهذا المعنی (الحلي ولا الزينة الطبيعة التی تسمی الجمال) في المواضع الأخری من القرآن، مثل الآية 79 من سورة القصص (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فيزينَتِهِقالَ الَّذينَ يُريدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظيم).
النتيجة هي أنّ الآية حينما تقول، لا ينبغي أن يعلم الأجانب ومرضی القلوب وجود مثل الخلخال في أرجلهن، يعني طبقا لفرض الآية تمّت تغطية الرجل حتی الكاحل الذي هو مكان الخلخال ومثله.
هناك بعض الغموض بالنسبة إلی زينة اليدين وحدودها. ما هو خارج من «إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا» يشمله الحكم ولابدّ من تغطيته وما يشمل عليه المستثنی فهو خارج عن نطاق الحكم. من الواضح أنّ تبيين مثل هذه الأمور قد وقعت علی عاتق النبي المكرم (ص)؛ مثل ركعات الصلوات الواجبة.
- تشير «وَ لْيَضْرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ عَلىَ جُيُوبهِنَّ» إلی أنّه كانت تستفيد النساء من الخمار قبل ذلك، إلّا أنّ الآية قد علّمتهنّ كيفية الاستفادة منه، كما يؤيّد هذا المعنی شأن نزولها. إضافة إلی ذلك إذا كان المراد مجرد تغطية الصدر – كما نلاحظ في بعض الآراء السطحية تجاه هذه الآية – لا معنی لاستخدام عبارة الضرب بالخمار، فهذا طريق طويل وغير بلاغي وعلی حد المثل «أكل من القفا»، بل كان يمكن أن يقال بسهولة: «و ليُغطِينَ جيوبهن وَ لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُن»!، هذا وكان «الخمار» يطلق علی غطاء يغطي الرأس دون شك، ويمكن استيعاب هذا جيدا بدراسة كلمات اللغويين – والتي تقدّم ذكرها – واستخدام هذه الكلمة في الأحاديث الإسلامية كذلك، والتي ترجع أحيانا إلی عصر نزول القرآن. (مثلا: كان يمسح علی الخف و الخمار (لسان العرب، مادة خمر) والمقصود من الخمار في هذه العبارة عمامة أو الوشاح الذي كان يعقد علی الرأس)
- يمكن الاستفادة التامة من عبارة «وَ لْيَضْرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ عَلىَ جُيُوبهِنَّ» بطريق الأولوية أنّ حجاب الجزء السفلي من الجسم كان مفروغا عنه، كما تدل عليه العبارة الأخيرة من الآية، يعني «وَ لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يخُفِينَ مِن زِينَتِهِن» كذلك. وقد رسم صدر الآية وذيلها منظرا من الحجاب الأولي والذي بعض منه (الجزء السفلي من الجسم) كان من الحجاب الشائع بين نساء ذلك العصر وقد أضيف إليه الجزء العلوي من الجسم.
- كذلك يتّضح من العبارة «وَ لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ …» بأن حجاب الجزء السفلي من الجسم كان واسعا وطويلا، بحيث لم يكن الخلخال ظاهرا وكانت تضرب بعض النساء بأرجلهن علی الأرض ليصدر الصوت من الخلخال لكي يعلم الآخرون بأنّ لديهنّ الخلخال. يمكن دراسة هذا الموضوع في الحجاب الأولي عن طريق الأولوية؛ يعني بالنسبة إلی الحجاب الأولي إضافة إلی ما ذكرنا حول حجاب الرأس والصدر، يجب أن يكون حجاب الجزء السفلي من الجسم واسعا وطويلا، سواء كان الغطاء سروالا أو تنّورة، بحيث إذا لبست المرأة الخلخال لا يمكن المشاهدة والعلم به.
- يمكن المعرفة من عدم التصريح بزوجات النبي (ص) في الحجاب الأولي – خلافا لما ورد في آية الحجاب الكامل – بأنّه كانت تلتزم هؤلاء بهذا القدر، كما يؤيده بعض أسباب النزول.
- نزلت هذه الآية في المدينة وقبل غزوة أحد وقبل حادثة الإفك التي حدثت في السنة الخامسة للهجرة، كما نقل الواحدي عن العائشة بالنسبة إلی سبب النزول. وهذا يدلّ علی أنّ الحكومة تحتاج إلی السلطة لتنفيذها وإلا لأمكن النزول في مكة أو علی الأقل في السنة الأولی من الهجرة في المدينة، كما يمكن الفهم بأنّ الحجاب رمز لكون المجتمع إسلاميا وليس حكما فقهيا بحتا، فكان يمكن أن تنزل في مكة وفي نفس الوقت يؤمر بالتقية. إذن تأخير هذا الحكم ليصل الحكم الإسلامي إلی السلطة وتوفير الظروف اللازمة وعدم الالتجاء بمثل التقية التي يمكن ويجوز تحققها حين وجود الإيمان والاعتناق بالإسلام، يشير إلی حساسيته العالية. طبعا لا يمكن مقارنة مثل هذا الحكم الاجتماعي الذي يحظی بمكانة رمزية مع الأحكام الفقهية الأخری حتی مثل الصلاة أبدا، رغم أنّ الصلاة تتمتع بأهمية أكثر؛ لأنّ كون الحكم «اجتماعيا» «رمزا» يستلزم أحكاما وتعاملا مختلفا بالنسبة إليه من حاكم المجتمع الإسلامي.
- طبقا للنقاط المذكورة، إنّ الآية تجعل الحجاب الإجباري شاملا علی جميع الجسد وإنمّا يبقی الوجه واليدين (طبقا للتفسير الذي يمكن تقديمه بالنسبة إلی الزينة بالاستفادة من قرينة «ليعلم» والآية 60 من سورة النور) وبعض القدم من الأصابع حتی أسفل الكاحل (بحيث يبقی مكان الخلخال مستورا) خارجة عن صراحة الآية ويشمل عليها إبهام «إلا ما ظهر منها»، فتسليط الضوء علی قدر الحجاب الالزامي وكيفيته في هذه الأعضاء علی عاتق الأحاديث.
- قد تمّ الإشارة إلی معظم المحارم في الآية سوی العم والخال والصهر، كما ذكرت بعض التفاسير ( مثل تفسير الأمثل) تبريرات في هذا الصدد ويمكن الإضافة إلی تلك:
نظرا إلی أنّه ليست هناك قرينة علی أنّ الآية في مقام الدلالة علی ذكر جميع المحارم (كما هناك نموذج آخر مثل هذا)، رغم أنّ ظاهرها تدلّ عليه، قد يمكن فهم مطلوبية لبس الحجاب أمام الأشخاص المذكورين في بعض فترات الحياة وبظروف خاصة، كما اليوم في بعض الثقافات ترتدي الحماة الحجاب أمام الصهر إجمالا لمدة طويلة حتی هو شاب، والبعض تحفظ هذا الحجاب إلی نهاية العمر. ترك هذا الأمر أثرا خاصا في الحفاظ علی خصوصية الأسر في القبائل الكبيرة في عصر النزول، وفي كل الأحوال ينبغي البحث بشكل مستقل عن أبعادها المختلفة التاريخية والأخلاقية والنفسية وغيرها.
التوضيح الأكثر
إذا لم تكن الآية في مقام البيان، فالآية ليست مطلقة ولا توجد مشكلة، فحكم الأشخاص المذكورين علی عاتق السنة، غير أنّه إذا تكون الآية في مقام البيان ومطلقة، فعدم ذكر العم والخال والصهر يدلّ علی أنّ الحكم لا يشملهم، سواء يشملهم حكم الحجاب مثل سائر الأجانب أو لهم حكم ثالث الذي لابد أن تبيّنه السنة. إذا لم يكن محرمية هؤلاء الثلاث ضروري الدين أو المذهب، فإنّ الروايات الدالة علی محرميتهم تعارض إطلاق الآية، إلا أنّه نظرا إلی الشهرة التي لا منازع لها بالنسبة إلی محرمية المذكورين وعلی فرض انعقاد الاطلاق، فلابد أنّ نبحث عن تبرير نفسية وأخلاقية والحكم الثالث الذي تقدم توضيحه إجمالا.
۴-۲. الآية ۶۰ من سورة النور
– وَ الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّاتىِ لَا يَرْجُونَ نِكاَحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَير مُتَبرَّجَتِ بِزِينَةٍ وَ أَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لَّهُنَّ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
- بعد نزول الآية الماضية (31) استصعبت مراعاة الحجاب المذكور علی القواعد من النساء (كبيرات السن)، فعفا الله عن ضرورة الالتزام بالحجاب بالنسبة إليهنّ في هذه الآية.
- تشير العبارة «غَير مُتَبرَّجَتِ بِزِينَةٍ» (لا يظهرن الزينة بالمكياج والحلي) إلی أنّ المراد من «الزينة»، كما سبق في الآية 31، هي الزينة غير الطبيعية الشاملة علی مختلف التلاوين والحلي؛ لأنّه أولا الزينة الطبيعية ليست في القواعد كثيرة وجذابة وثانيا إنها ليست تحت السيطرة كثيرا، إذن كما يبدو، إنّ المقصود بـ«التبرّج» والذي هو التكلّف في إظهار الزينة، يرجع إلی الزينة غير الطبيعية.
- المقصود من «الثياب» هو الخمار والجلباب ومثلهما، فيلبس فوق الشعار والدثار. الشعار هو اللباس الداخلي والدثار هو ما يلبس فوقه والثياب هي الملابس الفوقية. وفي بعض الروايات تمّ تفسيرها بالخمار والجلباب. (الحر العاملي، ۱۴۰۹ ه، ج۱۴، ص ۱۴۷، باب ۱۱۰ ؛ مكارم الشيرازي وزملائه، تفسير الأمثل بالفارسية، ج۱۴، ص ۵۴۳)
ملاحظة: الثياب لا تشمل الخمار؛ لأنّ الثوب لا يغطّي الرأس، لكن يمكن فهم جواز جعله جانبا من جواز ترك الخمار عن طريق الأولوية، إضافة إلی ذلك، قد يكون ذكر «الثياب» بدلا من الجلباب من أجل عدم نزول آية الجلباب حتی ذلك الزمن، فلا معنی لذكر الجلباب قبل نزول حكمه، وعليه فالأحاديث التي تفسّر «الثياب» بالجلباب أو الخمار تعتبر صحيحة؛ لأنّ ذكر الخمار، لازم بيّن وذكر الجلباب، تفسير الثياب في الحقيقة، بما أنّ هذا التفسير تمّ تقديمه حينما قد نزل حكم الجلباب النهائي.
- يعتبر الستر والحجاب سببا للعفة ووسيلة للحصول عليها (وَ أَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لهنَّ). وفي الحقيقة هما لازم وملزوم؛ نعم هناك درجات مختلفة للعفة، إلا أنّ الحجاب الأولي حد للعفة من منظار القرآن، ويمكن الوصول إلی الذروة بمراعاة الحجاب الكامل أو في المقابل الذهاب نحو عدم العفة بالكامل بالفسق والفساد. أما بالنسبة إلی «القواعد» يشير مفهوم الآية إلی أنّ من لم تراع الحجاب كأنّها لم تراع العفة، غير أنّ عدم مراعاة العفة من قبل النساء كبيرات السن اللاتي لا رجاء في زواجهنّ ولا يتمتعنّ بالجمال الظاهري المثير كذلك (شريطة عدم التبرج بالزينة الذي قد يؤدّي إلی أضرار أخری)، قد لا يسبب مشاكل للمجتمع، وعليه فقد أعطيت الأولية للتسهيل علی مثل هؤلاء النساء بالمقارنة مع مراعاة حال المجتمع والله أعلم بمصالح المجتمع والأشخاص، والملاحظة الجديرة بالاهتمام هي أنّ الآية تتحدث عن «الثياب».
- يعني التسهيل علی هؤلاء النساء كبيرات السن في ذلك العصر، بعض الشيء أكثر من ترك الخمار. طبقا لهذا مراعاة العفاف والتي اعتبرتها الآية أفضل، تتحقق بمراعاة الحجاب ويشمل علی الثياب وما فوقه يعني الخمار وحتی الجلباب الذي نزلت الآية حوله بعد مدة طويلة.



