حسب تقرير نشرته العلاقات العامة للمجمع العالي للثقافة والفكر الإسلامي فقد قام قسم العرفان والشئون الروحانیة بالمجمع يوم الأربعاء 13 من یولیو من العام الجاري بعقد ندوة تحت عنوان “ماهیة عرفان أهل البيت (علیهم السلام) ومصادیقه” في قاعة الثقافة بالمجمع العالي للثقافة والفکر الإسلامي.
لقد شهدت هذه الندویة العلمية حضور عدد من الباحثین في العرفان والتصوف من کل من إيران وتونس “کالشيخ إبراهيم مختار بن محمود، والشيخ محمد بشير نفر، والشيخ زين شريف الكلبوسي، والشيخ محمد عمران، والشيخ توفيق بن عامر، والشيخ محمد عزيز بن زكور، والشيخ محمد جواد رودغار، والشيخ مصطفى فرهودي، والشيخ محمد علي اسدين نصيب، والشيخ علي فضلي”.
أشارعضو الهيئة التدريسیة في قسم العرفان والشئون الروحانية في المجمع العالي سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشیخ محمد جواد رودغر إلی أن عرفان أهل البيت (علیه السلام) هو مجموعة تعاليم مستقاة من القرآن الكريم وأحادیث أهل البیت(علیهم السلام) والأدعیة المأثورة منهم قائلاً: إنّ هذا النوع من العرفان یعتمد علی النقل دون العرفان المأخوذ من رؤی الکشف والشهود لدی العرفاء فلذلك تم استظهار واستنباط هذا الضرب من العرفان من النصوص الدينية، ولایعدو المنهج المعتمد والمنطق القویم فيه أن یکون عرفاناً اجتهادياً شاملاً یتوقف استیعابه علی معرفة ثلاثة علوم کما یحتاج إلی معرفة دينية عمیقة.
أضاف رودغر: إن العلوم الثلاثة التي یتوقف علیها العرفان هو علم الدراسة، وعلم الفراسة، وعلم الوراثة وببیان آخر يمكن إطلاق العلم اللدني علیه وهو ما یحصل للإنسان بقدر قربه الوجودي إلی النبي (صلی الله علیه وآله) والأئمة المعصومین (علیه السلام) وصلته بهم ولایناله إلا بالتهذيب والتحلي بالتقوى والفهمان اللذان يترتبان على هذين العلمين هما الفهم العرفاني والفهم السلوکي الذي یوجّه نحو العرفان العملي، وإن لم يتوفر هذان الفهمان وتلك المعارف الثلاثة التي مرت ذکرها فإن مواجهتنا الاجتهادیة مع الكتاب والسنة تتعرض لشتی الثغرات والأخطاء.
تابع عضو الهيئة التدریسیة لقسم العرفان و الشئون الروحانیة في المجع العالي للثقافة والفکر قائلاً من المیزات الأساسية لعرفان أهل البيت (علیهم السلام) أنه لعرفان شامل یلامس کل المجالات و الأبعاد والساحات المختلفة ولایختزل هذا العرفان في العزلة والانطواء بل هو عرفان حضاري وملحمي وجهادي وعقلي وعقلاني وسياسي وفي الوقت نفسه يسعى لتحقیق العدل وبسطه.
وتابع حدیثه قائلا: إن هذا النوع من العرفان يُستنبط من الآيات والأحاديث وعلی سبیل المثال فإن في العرفان الوجودي أشير إلى حديث الإمام علي (علیه السلام) في غزوة بدر حيث قال: ” یا عَلِي عُلِّمتَ الاِسمَ الأَعظَمَ فَکانَ عَلی لِسانی یومَ بَدرٍ “.
رواه الصدوق ومضمونه أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) نقل عن أبیه علي (علیه السلام)أنه قال: “رأيت الخضر (علیه السلام) في المنام ذات ليلة قبل غزوة بدر بلیلة، فقلت له: علمني مما علمّك الله تعالی شیئاً انتصر به على الأعداء فقال لي الخضر (علیه السلام): يا هو يا من لا هو إلا هو فلما أصبحت قصصتها علی رسول الله (صلی الله علیه وآله) فقال لي: يا علي علمت الاسم الأعظم، وکان علی لساني یوم بدر وإن أمير المؤمنين عليه السلام قرأ قل هو الله أحد فلما فرغ قال: يا هو، يا من لا هو إلا هو، اغفر لي وانصرني على القوم الكافرين”.
وكان علي عليه السلام يقول ذلك يوم صفين وهو يطارد فقال له عمار بن ياسر:
“يا أمير المؤمنين ما هذه الكنايات؟ قال: اسم الله الأعظم: وعماد التوحيد، الله لا إله إلا هو ثم قرأ شهد الله أنه لا إله إلا هو وأواخر الحشر ثم نزل فصلى أربع ركعات قبل الزوال”
قال هذا الباحث: وفیما یتعلق بالتوحيد الوجودي فأشیر إلى حديث الشيخ الصدوق (رحمه الله) وهو السؤال نفسه الذي سأل عنه عمران الصابئي الإمام الرضا (علیه السلام)؛ وكان سؤاله مرتبطاً بالعلاقة بين الحق والخلق، والخلق والخالق، وهي من أهم القضايا الأساسية في العرفان النظري و مسألة وحدة الوجود حیث قال الإمام الرضا (عليه السلام) في هذه الرواية رداً علی سؤال الصابئي ما مضمونه: إن الله المبدئ الواحد الکائن الأول لم یزل واحدا لاشیء معه فرداً لاثاني معه، وإن الله خلقهم ما یعني أن مرتبة الأزلیة تختص بالله تعالی دون سواه من المخلوقات إذ مرتبة المخلوقات ما هي إلا مرتبة الإمکان والحدوث ولیس لها أن ترقی إلی مرتبة الوجوب والأزلیة فبالتالي فإنّ الله في أزلیته فریدة لا شیء معه کما أن في وجوبه الذاتي فرید لایضارعه کائن.
آیات التوحید
کما صرح هذا الباحث أن هناك شواهد وافرة على العرفان الوجودي في نهج البلاغة وکتب الحديث مضیفاً: ثمة آيات قرآنیة كثيرة وردت بهذا الشأن وتدل علیه؛ منها الآية التاسعة من سورة المزمل حیث یقول الله عزوجل “رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَکِیلا” والآیة الحادیة والعشرین من الآیة الثالثة والعشرین من سورة الحشرحیث یقول الله عزوجل “لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَیْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْیَهِ اللَّهِ وَتِلْکَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ یَتَفَکَّرُونَ؛ هُوَ اللَّهُ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَیْبِ وَالشَّهَادَهِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِیمُ؛ هُوَ اللَّهُ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِکُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَیْمِنُ الْعَزِیزُ الْجَبَّارُ الْمُتَکَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا یُشْرِکُونَ” وفیما یتعلق بالتوحید الشهودي یمکن الاستشهاد بالآیة الخامسة عشرة بعد المئة من سورة البقرة حیث یقول الله عزوجل “وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” والآیة الثالثة والخمسین من سورة فصلت حیث یقول الله عزوجل “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”
أشار عضو الهیئة التدریسیة لقسم العرفان والشئون الروحانیة في المجمع العالي للثقافة والفکر إلى بعض النماذج لعرفان أهل البيت(علیه السلام) قائلاً إنني أذکر لکم بعض الشخصيات العملاقة التي تربوا عند النبي (صلی الله علیه و آله) والأئمة (علیهم السلام) منهم أويس القرني الذي كان یتمیز بشخصیة روحانية وفي الوقت نفسه کان شخصية جهادية وثورية وذات مبادئ و کان مآله أن استشهد في صحبة أمير المؤمنين الإمام علي (علیه السلام)، وسلمان الفارسي المعروف بسلمان المحمدي الذي وفقًا للروایات فإنه رقي جميع المستويات الروحانية وحظی بمبلغ یذکر من المعرفة والعرفان.
و تابع حدیثه قائلا: كما بلغ عمار ياسر مبلغاً صار فيه معياراً ومقياساً للحق وصار مؤشراً لتمييز الحق من الباطل، وکذلك یعد شخصيات کميثم التمار وهجر بن عدي وراشد الهجري وجابر الجعفي وحتى معلي بن الخنيس الذي تتلمذ عند الإمام الصادق (علیه السلام) وكمیل بن زياد من المصادیق البارزة للشخصيات العرفانیة الذین تعلموا في مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) ولي بهذا الشأن مقالات تناولت فیها حیاة كل واحد من هؤلاء.
وأضاف: أنّ من خصائص هذه الشخصيات هي تبعیتهم لولایة أهل البیت علیهم السلام واتصافهم بالعقلانية والحب الالهي وملحمتهم في الجهاد و وعیهم للواقع وانتهاجهم منهج العرفان السياسي ثم تطور لاحقاً عرفان أهل البيت (علیه السلام) وأمتد لیؤثر في كثير من المکاتب العرفانیة، ولا سيما عرفان مکتب النجف حیث تربی فیه الشخصية البارزة في العرفان العملي والنظري ألا وهو الإمام الخميني(رحمه الله) الذي بنی نظاماً إلهياً وتوحيدياً استطاع أن یقف سدا مقابل اجتیاح النظام العلماني وغیر التوحیدي.
ما أخذ علی التصوف في العهد الصفوي
وكذلك مدیر قسم العرفان والشئون الروحانیة في المجمع العالي للثقافة والفکر حجة الإسلام والمسلمین الشیخ علي فضلي تطرق إلی سؤال بشأن ما إذا كان التصوف وعرفان شيء واحد في إيران أم أنهما مختلفان قائلاً: طرأت علی التصوف في إیران علل خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر في العهد الصفوي منها اختزال الجانب المعرفي للتصوف المتمثل في أفکار محيي الدين العربي، والأخری هيمنة الآداب الرهبانية والأدیرة على التصوف والثالثة هو الانحراف عن الشريعة والتقلیل من شأنها.
وأضاف: نتیجة لذلك حاول أکابر العرفان في النجف وأصفهان إنتاج عرفان یقوم علی الاجتهاد في الدین ویتمیز هذا التصوف الاجتهادي بعدة میزات؛ أولاً أنه ثمرة لمحاولات تهدف إلی استنباط التصوف من الكتب والسنة ثانيًا أنه في قضایا المعرفة جعل من توحيد القرآن أساسآً للسلوك العرفاني وثالثًا أنه جعل الشريعة أساسًا لجميع التصرفات ورابعًا أقام بنية السلوك العرفاني على المعرفة التوحيدية ومعرفة النفس وقدمه للعالم الإسلامي.
صمود التصوف التونسي في مواجهة الاستعمار الفرنسي
کما صرح الشيخ محمد عزيز بن زكور من زعماء الطريقة الصوفية في تونس: إنّ نشوء الصوفیة الطریقیة یعود إلى القرن السابع في بلاد المغرب الإسلامي قائلاً أن هذه الصوفية الطريقیة هيمنت على جميع مناحي الحياة البشرية سواء علی مستوی السياسي أواقتصادي أواجتماعي وغيره. وكانت هذه القضايا مدعومة من قبل المؤسسات الثقافية والدينية والأوقاف في المغرب العربي التي تقدمت بشؤونها نتیجة لهذه النفقات المالية.
وأضاف: الطرق الصوفیة کانت حاضرة في المجتمع التونسي منذ القدم وأثرت في الثقافة العامة للمجتمع لدرجة أنه عرف في تونس أن من لا يتبع الطريقة الصوفية فهو يتبع طريق الشيطان ونجحت الصوفية في إنشاء سياق اجتماعي وروحي قوي في المجتمع؛ ولم تكن هذه الطرق لتتعارض بعضها مع البعض کما أنها تسببت في التربية والسلوك الروحي لنفوس الشعب وقلوبهم.
أشاربن زکور إلى الخطوات التي تتبناها هذه الطريقة وإضاف إن أولی الخطوات هي تزکیة النفس وتهذيبها وذلک للرقي بالناس إلى المعرفة الإلهية، وقد مارست هذه التکایا دوراً اجتماعياً منه توفير السكن للذین لا مأوى لهم کما اندرج في ضمن خططها إطعام الفقراء والمساکین والوظیفة الأخری التي قامت بها هو تعليم القرآن الكريم وحفظه وکما رمت إلی التوفیق بين الحقیقة والشريعة.
وأضاف الشيخ محمد عزيز بن زكور: مارست هذه التكايا دوراً سياسياً منه الدعوة إلی المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر، فضلا عن دورها في الحروب الصليبية التي عرف حینه بالرباطات وأكد أنّ الصوفية لم تختف نهائیاً في تونس لكنها هزلت بفعل الحداثة.
الحصول علی 620 جائزة
أشار رئيس حوزة الرئاسة لمجمع العالي للثقافة والفكر الإسلامي محمد مهدي نجفي في تقريرعن أنشطة هذا المجمع العالي أنه قد تأسس قبل ثلاثین عامًا بأمر من قائد الثورة الإسلامیة في إیران وقال: لقد نال المجمع العالي 120 جائزة علمیة في مؤتمرالکتاب السنوي للحوزة العلمیة وکذلك فاز مرتين في مهرجان تكريم الفارابي الدولي بلقب أفضل مؤسسة بحثية وحصل على جائزته.
وأضاف: في الدورات الست للمؤتمر الدولي للعلوم الإنسانية الإسلامية، تم اختیار بعض الباحثین من المجمع العالي کشخصيات بارزة. كما اختارت مؤسسة الاستشهاد المرجعي ورصد العلم وتکنولوجیا في العالم الإسلامي (ISC) هذا المجمع العالي مرتین كأفضل معهد للبحوث خلال 30 عامًا
جدیر بالذکر أنّ هذا المجمع العالي نال 620 جائزة وتكريمًا علميًا ما یعني أنه قد حصل علی ما یزید عن 20 تكريمًا في کل عام.
وأضاف نجفي: يضم المجمع العالي الآن 55 من أعضاء الهيئة التدريسیة المتميزين في شتی المجالات، وهم أساتذة نادرون في اختصاصاتهم.



