منهج الحیاة الحسيني في خضم المعرکة الدائرة الیوم بین الأخلاق واللاأخلاق
مقالة کتبها حجة الإسلام والمسلمين عبد الحسين خسروبناه عضو الهيئة التدريسیة لقسم الفلسفة في المجمع العالي للثقافة والفکر الإسلامي
لا جدال في أن منهج الحياة الحسيني یجلب للإنسان البصيرة والفهم والوعي وإلا فإن مجرد الحضور في المدارس الدينية وارتداء زي علماء الدین لایؤدیان بصاحبه إلی التحلي بالبصيرة فعلى سبيل المثال لقد عرفت الأمة الإسلامية الرسول الكريم (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ مع ذلك خذل هولاء سبطه الامام الحسين (علیه السلام)؟ لأنهم لم یتسلحوا بسلاح البصيرة فنذکر المثال بنعمان بن بشير حیث کان من أصحاب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ولكن عقب رحیل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) تولی الكوفة ثم لاحقاً أصبح ممثلاً لمعاوية ويزيد.
ألم یکن يعرف من هو الإمام الحسين (علیه السلام)؟ بلی كان يعرفه مع ذلك کان فاقداً للبصيرة فبالتالي فقد قام بما قام فلذلك فإن التعلم في مدرسة الامام الحسين (علیه السلام) يجلب للإنسان البصيرة ولاریب أن ما حققناه الیوم من الانتصارات والانجازات في شتی المجالات ومختلف الساحات فأنه بلاشك يكون بفعل تعلمنا في مدرسة الامام الحسین(علیه السلام) وإن قائدا الثورة الإسلامیة في إیران تتلمذا في هذه المدرسة نتیجة لذلك فقد تسلحا بسلاح البصیرة النافذة بناء علی ذلك فإن معرفة مدرسة الإمام الحسين(علیه السلام) لأمر ضروري لاغنی لنا عنه.
رکائز مدرسة الامام الحسين (علیه السلام)
تقوم مدرسة الإمام الحسين (علیه السلام) على خمس رکائز أساسیة وهي المعرفة والبصيرة والرؤیة والخُلُق والفعل وإن من یفقد رکیزة من هذه الرکائز فإن وعیه عن مدرسة الإمام الحسين(علیه السلام) سیكون ناقصاً لامحالة فعلى سبيل المثال كان الحاج قاسم سليماني یمتلك هذه الركائز الخمس الحسينية ومن الواضح أن المعرفة الحسينية تختلف عن البصیرة الحسينية لذلك قد نجد أن البعض یحظون بالمعرفة الحسينية والبصیرة الحسینیة مع ذلك لايحظون بالرؤیة الحسينية ونری رؤیتهم تختلف عن رؤیة الإمام الحسین (علیه السلام) فعندما ندرس حیاة الشهيد الحاج قاسم سلیماني نجد هذه المسألة واضحة شفافة. ذلك الحاج قاسم الذي کان یدیر فيلقاً كبيراَ علی المستوی الدولي الكبير وكان اللواء والقائد العسكري الكبير للجمهورية الإسلامية الإيرانية وكان يعد جنرالاً دولياً؛ بحیث کانت الدول الأمبریالیة تحسب له ألف حساب في معادلاتها واجتمعت كافة المؤسسات الأمنية مراراً وتكراراً للتخطیط لاغتیال هذا الرجل وبلغ الامر إلی أن رئيس أقوی دولة في العالم جلس مع العديد من المؤسسات الأمنية في العالم وخطط لاغتیاله باستخدام شتی الطرق کالطائرات المسیرة والمروحيات ووظفوا أحدث الأدوات العسكرية والأمنية لاغتیاله.
قد نقل عن هذا الرجل العظيم أنه لم يكن يحتقر الناس وکان يجالس أبناء الشهداء ويلعب معهم ولم یکن ليقول أنا من أكبر قادة عسكريیین علی مستوی العالم وطبیعي أن أنسی عوائل الشهداء بل وباتخاذ الرؤیة الحسینیة التوحيدية کانت تولي اهتماماً بالغاً بعوائل الشهداء وأبنائهم حتى أنه کان یتودد إلی الأولاد والبنات الذين لایظهرون بمظهر الملتزمین و کانت لهذه الرؤیة التوحيدية قيمة كبيرة عند الحاج قاسم تساوی قیمة رؤیته في ساحات المعرکة.
حیث أنه لم یکن یفرق في تأدیة مهامه انتمائهم الطائفي ولم یکن یفرق بین المسيحيين وأهل السنة والشيعة وغیرهم من أبناء الديانات الأخری لأنه کان یحترم إنسانیة الإنسان ولیس هذا إلا ثمرة نظرته التوحيدية ویعود سر خوف الأعداء من دخول الجنرال سليماني إلى ساحات الحرب إلی هذه النظرة التوحيدية المستقاة من الرؤیة الحسينية للعالم.
الخُلُق الحسیني:
إن الملکات النفسانیة والتخلق بالفضائل والابتعاد عن الرذائل الأخلاقية تدل علی وجود الخُلُق الحسيني لدی الشخص فلذلك بعض الأحيان نری أن بعض الناس یتواضعون في تعاملهم تجاه الآخرين؛ لكن الغطرسة والغيرة تلتهب وتشتعل في داخلهم ولا شك أن هذه الحالة تدل علی وجود علة في شخصيتهم وخلقهم كذلك قد یتفوه الإنسان بلسانه أنه مؤمن بالولایة إلا أنه لایعدو کلاماً تجري علی اللسان دون أن تعبر عن مکنون روحه وقلبه ومن هنا نری أن عددا غير یسیر كتبوا رسائل إلى الإمام الحسين (علیه السلام) یدعونه للمجيء إلى الكوفة حیث وقّع المئات من زعماء القبائل على هذه الرسائل.
ولكن عندما قدم ابن زياد الكوفة تراجعوا عن موقفهم فجأة. تری كيف يمكن لهولاء الرؤساء أن يتراجعوا فجأة وبین لیلة وضحاها عن موقفهم ؟! بالتأکید أن المسألة لیست مسألة الخوف من إبن زياد فحسب بل المسألة تقبع في خُلُق هولاء حیث لم یترسخ الإیمان بالولایة في عقولهم وقلوبهم وکانوا یقولون بأفواههم على أنهم مؤمنون وقلوبهم غیر مؤمنة بذلك لذلك حينما حان وقت العمل والفعل تصرفوا مختلفاً بینما أن وهب الذي لم يكن مؤمناً لا في المظهر ولا في القلب عقب لقائه بالإمام الحسین (علیه السلام) آمن بالولایة إیماناً قلبیاً.
إنّ خُلُق جون عبد الإمام الحسين (علیه السلام) وکذلك علي الأكبر وحبيب بن مظهر ووهب کان خلقهم حسینیاً ولا ضیر في أن یرفع أحد شعار الانتماء إلی الحسین وأنه حسیني بل هو أمر منشود ومطلوب لكن الأهم من ذلك أن یخترق هذا الشعار قلبه ویدخل فیه؛ لذلك فإن الخُلُق لیس إلا مسألة قلبیة وكل شخص أعرف بمدی تحلیه بالخُلُق الحسیني
الفعل الحسیني
والمراد بالفعل الحسيني هو أن کل ما یقوم به الإنسان من فعل وردة فعل يجب أن يكون ذات صبغة توحيدية کما تعلمون أن الإمام الحسین (علیه السلام) عقب استشهاد أخیه الحسن (علیه السلام) خلال السنوات العشر التي عاشها في عهد معاوية لم یخرج ولم ینهض وكان هذا القعود قعوداً توحيدياً بینما الإمام الحسن (علیه السلام) نهض حیناً وسکت حیناً آخر وهذا النهوض وهذا القعود للإمامین الحسن والحسين (علیهما السلام) كانا توحيديين. ولم يكن الامام الحسين (علیه السلام) ليذهب الى الكوفة لو كان يفكر في مصالحه الدنیویة.
ومن الضروري أن يترجم الإنسان هذه الأركان الخمسة في حياته الشخصية والاجتماعية ليعرف إلى أي مدى يكون الناس حسينيين فعلاً. أن نكون حسينيین وأن نبقى حسينيین يعني أننا نتعلم مدرسة الإمام الحسين (علیه السلام) بحذافیرها لكن إذا تعلمنا جزء من هذه المدرسة وأهملنا الجزء الآخر في حياتنا فهذا لایعني أننا حسينیون وسنظل حسينيین.
المعرفة الحسینیة
لقد کان الإمام الحسين (علیه السلام) علی درایة باستشهاده وکان یعلم علم الیقین أنه سوف یستشهد مع ذلك كان يعلم أيضاً أن خلاص الشريعة المحمدية ونجاتها لا يتم إلا باستشهاده لكن الإمام الحسين (علیه السلام) وأصحابه الذين علموا أن هذا الطريق هو طريق سیؤدي لامحالة إلی استشهادهم هل خطوا خطوة في هذا الطريق دون تفكير وروية؟ کلا لقد وظّف الإمام (علیه السلام) أدق الآلیات العلمية والخطابية والعسكرية وخلافاً للانتقادات والتحذيرات صحب معه أهل بیته واللافت أنه سار بعائلته عبر الطرق الرئيسة لینتهز هذه الفرصة المواتیة للتوعیة وبناء الخطاب وبعث رسالته ومن المصادفات أن هولاء المنتقدین والمحظرین بعد استشهاد الإمام (علیه السلام) وأصحابه غیروا موقفهم وقالوا لولا أن الإمام الحسين (علیه السلام) سار معه بأهل بيته لدفنت حادثة كربلاء في كربلاء وقد أثبت مرور الوقت مبلغ خبرته في بناء الخطاب والشؤون العسكرية.
وکذلك في يوم تاسوعاء تلقى عمر بن سعد رسالة من إبن زياد أمر فيها بالهجوم في اليوم عینه والاستعجال في أداء مهمته إلا أن الإمام الحسين (علیه السلام) عن طريق العباس (علیه السلام) طلب من العدو أن يمهله ليلة لیتفرغ للعبادة والصلاة ونحن نعلم جميعا أن الإمام (علیه السلام) قضی لیلته بین عبادة وحدیث مع أصحابه لکنه قام أيضاً بتأدیة مهمة عسكرية حیث أمر بدایة بتقریب الخیام بعضها من بعض وربط بعضها ببعض لیسهل لأهل بيته الهروب من الجانب الآخر في حال أضرم العدو النار في إحدى الخيام ومن ناحية أخرى حفر الإمام (علیه السلام) خندقًا خلف الخيام وملأه بالحطب تفادیاً لهجوم العدو من الخلف فلذلك عندما حاول شمر الهجوم من خلف الخيام يوم عاشوراء واجه خندقاً مملوءاً بالنار فلم يستطع التقدم فاضطر للرجوع.
واستمرت معركة يوم عاشوراء بضع ساعات رغم أن عدد أصحاب الإمام الحسين (علیه السلام) کان قليلاً لدرجة أن الأعداء کان بإمکانهم إنهاء الحرب في كربلاء خلال ساعة واحدة لكن الامام الحسين (علیه السلام) بحنکته العسكرية جعل هذا النضال يستمر لوقت أطول بحیث أتیح للإمام (علیه السلام) فرصة إلقاء خطبه وبالتالي فإنّ كافة القضايا العسكرية والاجتماعية والأمنية وغيرها تتطلب الخبرة والمعرفة.
يقول الامام الحسين (علیه السلام): إنّ أهل البيت(علیهم السلام) هم حفظة سر الله والأسرار الإلهیة مودعة عندهم وإن من أهم ما خص الله به أهل البيت (علیه السلام) هو العلم ولهذا يقول النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): “خلقت أنا وعلي بن أبیطالب من نور واحد نسبح الله یمنة العرش قبل أن یخلق آدم”
یحظی المعرفة والتعليم بمكانة ممیزة في مدرسة الإمام الحسین(علیه السلام) ولیس من حقنا أن ندعي أننا أتباع مدرسة الإمام الحسين (علیه السلام) ونجهل العلوم العسكرية والأمنية والصحية وما شابه ذلك من العلوم الضرورية کما أن التسلح بسلاح العلم و المعرفة وحده لا يكفي بل لابد من کسب البصیرة والإیمان و کما هو بائن فإنّ العلم هو علاقة ذهنیة ومعرفیة بینما أن البصیرة علاقة قلبیة توحي إلی مبلغ إیمان الشخص.
لاشك في فضل العلم وألمعرفة حیث جاء في رواية عن الإمام الحسين(علیه السلام) أنه قال: أكمل عقلك بطاعة الحق فبالتالي إن العقل والمعرفة عنصران أساسیان ولكن هذه المعرفة يجب أن تتعزز بالإيمان واليقين وبالتالي إن مدرسة الإمام الحسين(علیه السلام) تتطلب المعرفة والبصیرة والرؤية وإن الرؤیة هي عین النية وواضح أن بعض الناس ینعمون بحسن الإیمان والمعرفة مع ذلك يعجزون عن جعل نيتهم توحیدیة في کل آن والرؤیة التوحيدية تقتضي أن تکون كل أعمال الإنسان خالصة لوجه الله.
ومن لايمتلك الرؤیة التوحيدية في جميع الصعد لايكتمل إیمانه وما يقوله الإمام الخمیني (رحمه الله): إن الله قدحرر خرمشهر فهو کان علی علم ودرایة بأن الأمور كلها تسیر بيد الله بناء علی ذلك فإن المجتمع الذی يعلم ویتیقن أن زمام الأمور بيد الله ویمتلك النظرة التوحیدیة سیظل يستمر في سیره قویاً غیر مبال بذروة العقوبات التي تفرض علیه مهما کلفه الثمن.
والمراد بالخلق الحسيني هو تجنب الرذائل واكتساب الفضائل الأخلاقية. قدیقال أن الخُلُق لهو أمر داخلي وهو یبلور شاکلة الإنسان نتیجة لذلك فإن الرذائل والفضائل أمران داخليان على سبيل المثال فإبليس قد تكبّر وكان مآله أن طُرد من محضر الله؛ لكن هذه الغطرسة لم تتولد بين عشية وضحاها بل كان في داخله کبرياء نمت بمرور الوقت إلی أن ظهرت أثناء خلق الإنسان.
في عالمنا اليوم، نشهد صراعا بين الأخلاق واللاأخلاق حیث نری ثمة الأفلام تنتج وتنشر في العالم الافتراضي تروج غالبا لبذاءة اللسان وسوء الخلق ، والخيانة، وعدم احترام الوالدين، وماشابه ذلك من الرذائل وجدیر بالذکر أن حسن الخلق هو حقيقة الدين ومخه وعلى الإنسان أن يجتهد في اكتساب الفضائل الأخلاقية ویقتدي في ذلك بالامام الحسين (علیه السلام) الذي قال في حقه الصدیق والعدو أنه کان حنوناً، وطيباً، ومتواضعاً، وشجاعاً، وکریماً



