حسب تقرير العلاقات العامة للمجمع العالي للثقافة والفكر الإسلامي تکلم الدكتور محسن ردادي عضو الهيئة التدريسیة بقسم دراسات الثورة الإسلامية بالمجمع العالي في حدیث معه مع صحيفة “وطن امروز” عن تراجع نسبة المشاركة السياسية في عدد من الانتخابات الأخیرة وفيما یلي یمکنکم الإطلاع علی تفاصیل ما دار في هذه المقابلة
ما هي السياسة؟ وماذا يعني العزوف السیاسي؟
بدایة وقبل الدخول في صمیم البحث لابد أن نشیر إلی مقدمتین أساستین أولها أننا عندما نتکلم عن الحیاد السیاسي فماذا تعني مفردة السياسة في الأساس؟ إن السياسة بمفهومها الحديث اكتسب معناه من مكيافيلي ومناقشات جون لوك وهوبز وغيرهم من العلماء الغربیین وهي مهارة وعلم وفن یدرس کیفیة نیل السلطة والحفاظ عليها.
فعندما نتحدث عن التنمية السياسية والمشاركة السياسية، فهذا يعني كيفية توزيع السلطة على أكبر عدد من الشعب بطبیعة الحال لا يتیسر لکل واحد من أبناء الشعب أن يصبح نائباً في البرلمان أو رئيسًا أو يتمتع بالسلطة في الحکومة ولیس في مریة بإن جزءاً قلیلا من أفراد الشعب یتمتعون بالسلطة مع ذلك فإن جزء کبیرأ من المواطنين یتمتعون بالتأثير على كيفية توزيع السلطة وتبادلها ونقلها فهولاء أیضا يحصلون على حصتهم من السلطة ويشتركون فيها فبالتالي من الخطأ أن نتصور أن السلطة حکر بید المسؤولین وأصحاب المناصب بل الشعب بدوره يملك حصته من السلطة نظراً لکونه المؤثر في بلوغ الأفراد والجماعات إلی السلطة فهو بذلك مساهم في السلطة
من المفترض أن المجتمع الذي یتمتع بالدموقراطیة والتوازن یحق لجميع المواطنين المشاركة في عملية نقل السلطة والمشاركة السياسة سواء کان قلیلا أو کثیرا إذا فماذا یعنی الحیاد السیاسي وفي حال مُنع الناس واعیاً أو دون وعي من دخول السياسة فهذا ینتهي لامحالة إلی العزوف السیاسي وبتعريف آخر فإن ضیاع وفقدان ساحة العمل السياسي في الحياة الاجتماعية للمواطنين هو تعبیر آخر عن العزوف السیاسي وهذا يعني أن المواطنين یملکون حق المشاركة في السياسة من الناحية القانونية والاجتماعية إلا أنهم یعتزلونها ویعزفون عنها نظرا لکون ظروف نشاطهم ليست مواتية وولاتسمح لهؤلاء أن یمارسوا أنشطتهم الأمر الذي یتسبب في اعتزال هؤلاء الناس النشاط السياسي تدریجیاً وفي هذه الحالة فإن العزوف السیاسي قد حصل فعلا.
هل المجتمع الإيراني مجتمع مهتم بالشؤون السياسية؟
لاشك في أن المجتمع الإيراني کان ولایزال مجتمعا مهتماً بالشؤون السياسية بامتیاز نظرا لبیئته الثوریة مع ذلك بدأنا نلمس ظاهرة العزوف والحیاد السیاسي أخذت بالانتشار خلال السنوات الأخيرة حیث نجد أن کثیرا من الشعب آخذون في الابتعاد والنأي عن السياسة واعتزالها لكننا إذا رصدنا 200 عام الأخیر وهي الفترة المعاصرة والحديثة لتأریخ إيران نجد أن الشعب الإيراني کان شعبًا سياسيًا واعیاً مقارنة بالدول المجاورة وبقیة دول العالم و لذلك نادرا ما يحدث في تاريخ البلدان أن يسجل شعبها الأحداث السياسة کما فعل الشعب الإیراني حيث کان متمرسا للعمل الجماعي بغية تحقيق الأهداف والمكاسب السياسية
إذا راجعنا التاريخ وتتبعنا الأحداث بدء من حركة التبغ وأحداث المشروطیة مرورا بأحداث تأميم صناعة النفط وانتفاضة 15 خرداد وصولا إلی انتصار الثورة الإسلامية وکذلك الأحداث اللاحقة مثل الثاني من خرداد والأحداث اللاحقة حيث تمت فیها تعبئة مجموعة من الناس تحقيقا لهدف ومکسب سياسي معین تعد من نماذج ناجحة للحرکات الشعبیة الانتفاضیة
قلما شهد العالم مثل هذه الحرکات الانتفاضیة فإن درسنا مثلاً الدول المجاورة لإیران کتركيا والعراق وباكستان لانجد لشعوبهم یشارکون في السياسة مشارکة الشعب الإیراني وعلى الرغم مما یروج أن الشرق الأوسط منطقة حافلة بالأحداث السياسية إلا أن تأميم صناعة النفط في إيران يعد حدثًا غير مسبوق في نوعه وعندما حدث ذلك في إيران تکاد تکون مثل هذه الانتفاضات والحرکات في الدول المجاورة شبه معدومة
و لایزال في بعض الدول کالمملكة العربية السعودية یکاد لایشارك الشعب في القرارات السياسة ولانری أي تحرك أو مبادرة لتغيير الوضع السائد أو محاولة لتحسینه بطبیعة الحال أن هناك أيضا فقراء ومهمشون يحتاجون إلى المساعدة حتى لو نفترض أن جمیع أفراد الشعب یتمتعون بحالة جيدة من الرفاهية فإن الشعور بعدم القدرة علی تحدید المصیر والتأثيرعلى العمليات السياسية والقرارات السیاسیة في البلاد لامحالة یخلق فراغًا لهم بضرورة أن یکون لهم الصوت في السياسة
هب أن مجال الاقتصاد والقدرة على خلق الرخاء وتوفیر المعيشة الکریمة والكافيه آمر ضروري لكنه لا يكفي ویرغب المواطنون في أن یکون لهم کلمتهم في مجتمعهم وأن یکون لهم دور في اتخاذ القرارات علی مستوی بلدهم
ثمة قاعدة في العلوم السياسية تقول إن المنتمین إلى الطبقة الوسطى الذین ینعمون برفاهیة نسبیة يهتمون أکثر بالتأثير على العمليات السياسية في البلاد، لكن في الدول العربية، التي يُعرف شعوبها بالرخاء، لانجد سعیا وحافزاً للعمل السياسي ومقارنة بالدول المجاورة والدول العربية فإن الشعب الإيراني هو شعب سياسي بامتیاز ویحظی بثقافة سياسية عالیة وهذه الحالة أي أن الشعب الإیراني یبالي ویهتم بالشؤون السیاسیة ویملك ذکاء سیاسي تمثل لنا فرصة متاحة وفي حال لم يتم استغلالها منطقیا فإنها قد تنقلب إلی تهديد.
إن الاهتمام المبالغ للسیاسة من قبل الشعب تمثل فرصة جيدة وفي حال تراکمت هذه الدوافع وتکدست فإن بإمکاننا الاستفادة منها للنهوض بالعديد من المشاريع الوطنية وخلق التعاطف والتکاتف بین أباء الشعب بغیة تحقیق إنجازات مهمة أما التهديد الذي ذکرناه فإنه یحصل إذا تجاهلنا الحاجات السياسية لهم حیث یؤدي هذا التجاهل إلی شعور الشعب بالإحباط وإن الشخص المهتم بتحسين أوضاع بلاده عندما یجد أن رأيه قد أهمل يصاب بخيبة أمل ویعتریه شعور بالإحباط الأمر الذي إما أن یفضي إلی انتشار ظاهرة العزوف السیاسي وتعزیز حالة اللامبالاة والحیاد أو المیل إلى وسائل الإعلام الأجنبية والسياسيين المزيفين والشعبويين المعروفین بعدائهم للثورة الإسلامیة والذین لا هم لهم سوی الدعاية ضد الجمهورية الإسلامية علی مدار اربع وعشرین ساعة حیث یستغلون هذا الشعور بخیبة أمل لدی الشعب ویروجون لهم بأنهم قادرون علی إداره دفة المجتمع وتحسین شؤونه وهم أعجز الناس عنه زاعمین أنهم يستطيعون إصلاح البلاد دون غیرهم وهذه الحالة سیئة للغایة ويمكن أن يتسبب في فقدان المسار الصحیح للعملیة السياسة في البلد وبدلاً من أن يتم توجیه المواطنين في عملية بناءة تساهم في تطویر البلد وتعزیز العلمیة السیاسیة فإنها تقود بهم إلی موقف سلبی مدمر لمستقبلهم ومستقبل البلد
ومن ناحية أخرى فإن المواطنین یمیلون إلى المعارضین ما یشکل خطرا للبلاد ویخلق مشکلات لها فتضطر الحكومة إلى التحرك والتصدي لهم حفاظا على الأمن والاستقرار وعدم خروج الأمر من تحت السیطرة ما یؤدي إلی تفاقم حالة الغضب والعنف باستمرار ما یفضي إلی خلق أزمات أکبر وإیجاد حرکات أکثر تطرفا وعنفا
فعلی سبیل المثال فإن أعمال الشغب التي شهدها البلد منذ عام 2008 جاءت في بدایتها بشکل احتجاجات متفرقة إلا أنها تتحول بعد فترة إلى أعمال شغب واتجهت إلى التطرف والتخريب الأعمى وما هي إلا بسبب إهمال العنصر البشري الواعي وحاجاته.
کل ما یریده هذا الشخص الواعي هو أنني أريد أن أمارس دورًا وأن يكون لي تأثير و مشارکة ما أریده فعلا هو أن یکون لي صوت في العملية السياسية علی مستوی البلاد وأن یکون له حضور وتمثیل في وسائل الإعلام، فعندما لایتلقی هذا العنصر الواعي تلبیة لمطالبه فإنه يتجه نحو هذه الأعمال التخریبیة العمياء وكلما نتقدم في ذلك، تزداد مساحتها عنفا وتخریباً نتیجة هذا الإهمال والسبیل الوحید للخروج عن هذه الورطة المدمرة والدوامة هو إصلاح العملیة السیاسية وإعادة المیاه إلی مجاریها
العزوف السیاسي وتدني نسبة مشاركة الشعب
أری أن تدني نسبة مشاركة الشعب في الشؤون السیاسة له تأثیر مباشر وعلاقة طردیة بالعزوف السیاسي ويؤدي جزء من هذا العزوف السیاسي إلى بلورة بعض الاحتجاجات مما يؤثر بشكل غير مباشر على مسألة انخفاض المشاركة، لكنني أعتبر السبب الرئيس لانخفاض المشاركة هو فقدان ساحة العمل السياسي في حياة الناس، بمعنى أن السياسة السائدة والساحة السياسية التي تم تحدیدها وتأطیرها من قبل الحکومة لیمارسها الشعب لایبدو للمواطنین جذابا وشیقا.
فبالتالي فإنهم إذا افترضنا أن من الضروري أن یخصصوا 20% من نشاطات حیاتهم لرصد الأحداث السياسیة وقضایاها فإنهم سیعوضونها بنشاطات أخرى کالتعليم أو الترفيه أو القضايا الثقافية وكسب المال وغيرها، ورغم أن الأمر يبدو کأنهم يملؤون ذلك الجزء بـشيء آخر ولكن هذه الفجوة ستظل قائمة.
حكومة کوادر البناء والترویج المنهجي للعزوف السیاسي
بدایة أذکر طریقتین تتسببان في العزوف السیاسي ثم اتناول أسباب هذا العزوف هناك نوع من العزوف السیاسي قد حصل للأسف من قبل المسؤولين في بعض الحكومات من خلال تقیید الحریات السياسیة وتکتیم الأفواه والإزدراء بالمنتقدین ومحاولة الهیمنة علی المنصات الإعلامیة
وهذا ما حدث فعلا في حكومة کوادر البناء حیث أصبح ساحة السياسة ضيقة للغایة و يمكن أن نطلق علی هذه الحالة ترویج العزوف السیاسي الممنهج والذي بدأ أول ما بدأ من قبل الحكومة في تلك الحقبة وقابله قائد الثورة باتخاذ موقف صارم معروف حیث دعا علیهم قائلا “لعن الله من يريد أن تسعی لإبعاد جامعتنا من رصد الأحداث السياسية وتحیدها عنها”
هذه کانت حقيقة عشناها في ذلك الوقت وكانت الحكومة الإیرانیة في أوائل السبعينيات تحاول قمع الحریات السياسة حيثما أمكن لها ذلك حیث کان یواجه أي أنتقاد برد فعل عنیف من الحكومة
لقد كتب ما یقارب100 إلى 150 ناشط سياسي رسالة إلى الرئيس آنذاك وأعلنوا فيها أن ما تمارسه الحکومة من سياسات التعدیل الاقتصادي والسياسات التي تنتهجها حكومة کوادر البناء تزيد من الفجوة بين الشعب وتؤدي إلى تفاحل الظلم وللکن انتهی بهم الأمر إلی أن تم اعتقال بعض هؤلاء الأشخاص بسبب هذه الرسالة وإدخالهم في السجن في ذلك الوقت لم يكن الوضع کما هو اليوم ولم يكن من السهل توجیه انتقاد للرئيس.
كان الرئيس محاطا بحالة من التقدس بحیث لم تكن مهمة انتقاده مهمة سهلة وکانت الحكومة تتعمد تحیید المجتمع عن السياسة وشؤونها لأنها کانت حكومة التنمیة وکانت تزعم أن أي نقاش سياسي يشكل عائقاً أمام عملیة التنمية الاقتصادية والبناء وكان يعتقد أننا يجب أن نسیّر الأمور بتنفیذ مبدأ التكنوقراطية حیث کانت تتعمد اختيار المدراء المحایدین وشاهدنا في هذه الفترة تحولا ونقلة في القیم الاجتماعیة حیث تم إقصاء الشباب المؤمنین بالثورة الإسلامیة من المسئولیات علی مستوی البلاد.
في تلك المرحلة، تم توظيف أشخاص محایدین والذین یدعون أصحاب الکفاءات وأكدت الحكومة أنها جاءت لتهدئة الأمور لكن ما حصل في الواقع إنها قامت بالترویج للعزوف السیاسي تحقیقاً للتهدئة المنشودة وإن من الواضح أن المواقف النقدیة لاتتبلور إلا في ساحة السياسة.
وإن من یری أنه لایحق للشعب إن ينتقد الحكومة وأن الحكومة الوطنية لاینبغي أن تعترض علی مواقف المجتمع الدولي وتحاول أن تتجنب التصعید وتنأی بالبلد عن الصراعات أو الحروب فإنها لامحالة تتورط في محظور العزوف السیاسي أیما تورط وإن ما یمهد الطریق لاحتدام النقاشات السیاسیة هو ساحة السیاسة
لم تدم هذه الفترة طويلا ومع حلول 2 يونيو (الثاني من خرداد) أبعدت تلك الحالة الخانقة عن ساحة السیاسة وحلت محلها الحکومة الجدیدة التي جاءت کردة فعل لذلك الضيق حيث فتحت الساحة السیاسیة انفتاحا منفلتا أفضی إلى تفاقم سلوكيات مسيسة وعصبية وانفعالية والتي أدت إلى انتشار حالة الإحباط التي بدورها تعد نمطا أخر من العزوف السیاسي
ذلك النمط من القمع السياسي والترویج الممنهج للعزوف السیاسي عادة لا يدوم طویلا حیث یتسبب في ردود فعل قوية لذلك لاحقا أعرب كثير من هؤلاء الأشخاص عن ندمهم وأسفهم قائلین إن سلوكنا كان عاطفيا.
کما شاهدنا في تصریح وزير العمل السيى ميدري في تلك الحكومة حیث نقل عنه قوله إنني وبعض من أصحابي ارتكبنا أخطاء في ذلك الوقت ولم یکن هذا الوضع إلا نتیجة ممارسة القمع السياسي في حکومة کوادر البناء وأن هذا الانتقال المفاجأ من حالة القمع إلی حالة الانفتاح والحرية تسببت في خلق مثل هذه السلوكيات العاطفية المتشددة.
خيبة الأمل والعزوف السیاسي الثقافي
ثمة نوع آخر من العزوف السیاسي وهو ما يمكن أن نطلق عليه العزوف السیاسي العملي الذي یفضي إِلی الإحباط وخيبة الأمل ويرتبط هذا الوضع بفقدان جاذبية السياسة لدى بعض مکونات الشعب ويمكن أن نطلق على هذا الوضع العزوف السیاسي الثقافي.
أي أن الثقافة والعوامل الثقافية والاجتماعية تکون وراء اعتزال الشعب للسياسة و عزوفها وهذا النوع من العزوف السیاسي یعد أكثر الأنواع انتشارا وشیوعا حیث لا يقتصر الأمر على ساحة إيران السیاسیة وإنما نجده في العديد من البلدان
هذا النوع من العزوف السیاسي یلقی الیوم رواجاً في العالم المعروف أن في سبعينيات القرن الماضي كانت السياسة جذابة ومهمة للشعوب في جميع دول العالم فعلى سبيل المثال، في بلدان أمريكا اللاتينية وأوروبا والولایات المتحدة کان الناس یسعون بحماس و لهفة لتغيير الوضع السائد و کانوا ینشدون الحرية والعدالة
هذه المفاهيم تمتاز بکونها مفاهیم سياسية بمعنی أننا نريد من خلال ممارسة السلطة تطبیق الحد الأقصی من العدالة کما نسعی من خلال ممارسة السلطة وإعطاء السلطة للتیار الذي نراه الأحسن توسیع الحرية في المجتمع.
في تلك السنوات كان هناك الكثير من النشاط السياسي في العالم كله، وكانت الحركات الطلابية والعمالية والنسویة وما إلى ذلك تحتل مكانة خاصة في العالم، ولكن شيئًا فشيئًا وبمرور الوقت حدث العزوف السیاسي علی مستوی الثقافي والاجتماعي خلال هذه السنوات حیث لم یعد الفعل السياسي جذابا للأفراد وکانوا ینشدون أهدافهم وأمانیهم في شيء خارج عن نطاق السياسة.
الفردية وأصالة اللذة عاملان أساسیان للعزوف السیاسي الثقافي
هناك عاملان على الأقل يجعلان الشخص يتوصل إلى استنتاج مفاده أنه بدلاً من متابعة أهدافه في مجال السياسة ومن خلال العمل السیاسي عليه أن يتبعها بطرق أخرى وهما الفردية وأصالة اللذة
الفردية تعني أن أكون وحدي في المنافسة مع الآخرين وإن أردت النجاح وبلوغ أهدافي فإنها أهدافي وحسب ولاترقی لمستوی أن تکون أهداف جماعية.
فعلی سبیل المثال لا يقول إنني أريد مجتمعا يتمتع جمیع أبنائه فيه بالحریة بل يقول إنني أريد أن أضمن رفاهيتي وأريد تحصیل حصتي ويتجنب المشارکة في الأفعال الجماعية وأن الفردية یؤدي بصاحبها إلی التخطیط الفردي بشأن مستقبله وعدم الشعور بمصير مشترك.
والعامل الآخر الذي یلعب دوراً فعالاً في العزوف السیاسي خلال الفترة الجديدة هو شیوع مذهب اللذة ولاجدال أن من يريد العمل السياسي لابد أن يضحي بجزء من راحته ومتعته فالسياسة لا تتلائم مع الراحة الجسدية والمتعة المادية
یتعرض الشخص المهتم بالسياسة للسجن والشتیمة والتهدید لكنه يستمتع بذلك ويقول: “أنا تواق للحریة” ويشعر بالمتعة والسعادة لأنه يقوم بوظیفته الاجتماعية.
إن ثقافة السعي وراء المتعة المادية واعتزال السیاسة قد ساد بين الشباب في جميع أنحاء العالم، وكانت لها فعلها في العزوف السیاسي والمعلوم أن السياسة تورط الإنسان وإذا أردنا أن نعیش حیاة هانئة نستمتع بها فلا ينبغي لنا أن نخوض غمارها
كل من الترویج الممنهج للعزوف السیاسي والترویج الثقافي له یتنهي إلی نتيجة واحدة وهي أن المواطنيین یفقدون ثقتهم في السياسيين ويعتزلون السیاسة ویعزفون ساحة السیاسة ويفضلون البقاء على هامش السياسة ویبتعدون عنها مهما تیسر لهم.
إن جزءًا كبيرًا من العزوف السیاسي يتم بصورة ممنهجة حیث یسعی بعض السياسيين سواء في إيران أو في غیرها من دول العالم لتحیید المواطنين عن السياسة وإبعادهم عنها لکي لایزعجون السیاسیین
إن تدني الحساسية السياسية لدى الشعب لخوض النزاعات السياسة التي هي تعد مجال نیل السلطة والحفاظ عليها، لأمر مرغوب فيه من قبل ذوي السلطة، لأنه بدلاً من مشاهدة توزيع السلطة وتداولها بين عامة الشعب تبقى حکرا بید من هم في السلطة لیستمتعوا بها لصالح جیوبهم ومصالحهم لذلك إن هناك حافزا وداعیا قويا لدی هولاء لترویج العزوف السیاسي
ما الحل؟
يجب على الناس أن يتعلموا مهارة الفعل السياسي إذ بدونها فإما أنهم ینأون بأنفسهم دخول ساحة السیاسي أو سيفقدون حساسيتهم السياسية ووعیهم تدريجياً، أو سيكون فعلهم السياسي عقیما ومهملا ولایجلب لهم سوی الإحباط وخیبة أمل وللبلد سوی الفساد والضرر لذلك ينبغي تدریب الشعب علی هذه المهارة وينبغي أن يكون لدى مؤسسات الدولة المختلفة من الإعلام والأحزاب والکتل والسياسيين خطة شاملة ودقيقة بغیة توظیف الحساسية السياسية والوعي للشعب حتى يتعلم الشعب الفعل السياسي وسبل توظیفه للنهوض بالبلاد.
على سبيل المثال، في البلدان التي لديها أحزاب، یتم توجیه الذوق السياسي للشعب باتجاه معین و يتم استخدام وتطوير دوافع الناس ومواهبهم السياسية، ويتم تعليم الناس حتى يتمكنوا من تقديم آراء أكثر نضجًا والحصول على وعي أفضل للظروف السياسية التي یمر بها البلد وبالتالي یقدم الشعب حلول إبداعية لإدارة البلاد.
والعديد من هؤلاء الأشخاص يتعلمون تدریجیا ويطورون مواهبهم إلی أن یصبحوا رئيسًا أو وزيرًا أو محاميًا ویمضون عملية معينة للحصول على النتیجة المنشودة وإذا لم يتم اتباع هذا المسار، فلا یجب أن نتوقع منهم أن يتعلموا السياسة تلقائیاً ولکي لا يحصل العزوف السیاسي ويستمر اهتمام الناس بالشؤون السياسة والتحرك في هذا الاتجاه، من الضروري ضبط قدراتهم ویتلقون التدريبات والمهارات إلی أن یتقنوا فن السياسة والعمل السیاسي تدريجياً.
مما یؤسف علیه أننا قصرنا بشأن هذا الواجب في السنوات الأخيرة والجدیر بالاهتمام أن عنصري الدافع والموهبة متوفران في أبناء الشعب الإیراني فعندما نجد سائقي سيارات الأجرة یقدمون تحليلات سياسية قد تکون مثیرة فإن هذا الموقف يمثل فرصة لنقوم بتثقيفهم وتنمیة مواهبهم وتزویدهم بأفکار ومعلومات من خلالها ینمون قدراتهم في التحليل والتفسير حتى يتمكنوا من القیام بفعل أفضل واتخاذ موقف أحسن من القضایا السياسية وفي حال أهملنا هذه المواهب تتجه تحلیلاتهم ومواقفهم نحو الجدل وتنتهي إلی الشعور بالإحباط والفساد وهدر المواهب فمن الواجب النظر إليها على أنها نعمة إلهیة قیمة لابد من تنمیتها.



