back to top
الرئيسيةمقابلةعاشوراء في المنظور الاجتماعي

عاشوراء في المنظور الاجتماعي

 

حسب تقرير العلاقات العامة للمجمع العالي للثقافة والفكر الإسلامي، فإن كتاب “العرفان الاجتماعي في النهضة الحسينية” تأليف حجة الإسلام والمسلمين محمد جواد رودغر كتاب يستحق التقدير في مهرجان الكتب العاشورائیة الذي یقام کل سنتین في مجال تحليل عاشوراء وتفسيره.

یحاول هذا البحث الذي بین یدي القراء من خلال تحليل وتعلیل فعل الإمام المعصوم (علیه السلام) ومعالجة سلسلة الأحداث الصغيرة والكبيرة التي جرت في عاشوراء وفي نهضة كربلاء من منظور العرفان الاجتماعي نقدم نظرة بدیعة حدیثة عن نهضة الإمام الحسين (علیه السلام).

وقد أجرت وكالة ایبنا للأنباء مقابلة مع مؤلف هذا الکتاب وعضو الهيئة التدريسیة بقسم العرفان والشؤون الروحانیة في المجمع العالي بشأن هذا الكتاب وفيما یلي نقدم إلیکم الجزء الأول من هذه المقابلة.

لقد اختار سماحتك عنوان “العرفان الاجتماعي في النهضة الحسينية” لكتابه أرجو أن تتحدث إلینا عن معنی العرفان الاجتماعي وعلاقته بتراثنا العرفاني الإسلامي؟

لقد تولد العرفان الاجتماعي من رحم العرفان الإسلامي الأصیل الصافي وفي الحقيقة أن منشأ العرفان الاجتماعي ومنبته هو العرفان الإسلامي وبعبارة أخرى، فإنّ العرفان الاجتماعي جاء بمثابة نتیجة طبيعية للعرفان الإسلامي بمعنی أن للعرفان بعداً اجتماعياً یتبلور ویتجلی خلال السلوك العرفاني من السفر الأول إلى السفر الرابع وطي المقامات الروحية والمنازل السلوکیة.

نحن نفهم البعد الاجتماعي للعرفان على أنه يتمثل في خدمة عباد الله والسعي في قضاء حاجاتهم والذین أطلق علیهم “عیال الله” في لسان رواياتنا حیث لايفتأ یمارسه السالك قبل البدء في السلوك وأثناءه وبعده أي أن خدمة عباد الله وقضاء حوائجهم في خطاب العرفان الإسلامي لهي مبدأ أصيل ودعامة متينة تغطي ثغرات وعوائق سلوكية كثيرة من قبل الانطلاق بالمضي في السلوك مروراً  بمرحلة السلوك ووصولاً إلى مرحلة مابعد السلوك. لكن ذروة العرفان الاجتماعي تأتي في المنزلین الثالث والرابع من العرفان أو السفرین الثالث والرابع. لأن العارف خلال تواجده في السفر الأول أي “السفرمن الخلق إلى الحق”، یساق و یُسیَّر من الكثرة إلى الوحدة ويلاقي صیرورة وتحولاً اشتدادیاً في داخله وسره وباطنه إلی أن یبلغ المرحلة الثانية التي تدعی “السفر من الحق إلى الحق بالحق”.

وهذا السفر ما هو إلا سفر في أسماء الله الحسنى وصفات أولياء الله. وهذا سفر لا نهاية له وفيه يتم تجسید مقام الفناء في الله والبقاء بالله، وله قابلیة للشرح والتفسير. وبعد طي هذه المراحل يبدأ العارفون ذوو القدرة والموهبة العالية السفرین الثالث والرابع ویطلق علی السفر الثالث السفر “من الحق إلی الخلق بالحق”حیث یتحول العارف فیه من الوحدة إلى الكثرة بالوحدة ويمكن التعبیر عن هذا السفر بالسلوك الاستكمالي ومن ثم يبدأ السفر الأعمق، والأكثر اتساعاً ورقعةً وهو السفر الرابع الذي یطلق علیه السفر “من الحق إلی الخَلق بالحق” وفي الحقيقة إن هذا سفر إکمالي ویختص أتم وجوهه وأکمل حالاته بأنبياء الله العظام ونبي الإسلام العظيم (صلی الله علیه وآله وسلم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) مع ذلك قد یتفق لبعض العارفین نیل بعض درجاته وإدراك بعض حقائقه.

كتاب “العرفان الاجتماعي في النهضة الحسينية” یتم اختياره في مهرجان الكتب العاشورائیة الذي يقام كل سنتين

من هنا يحتوي العرفان الاجتماعي علی ثلاثة مبادئ رئیسة هي “الإرشاد” و”التعليم” و”الولایة”. أي أن العارف یؤدي دور الهادي  أولاً والمربي ثانياً والولي ثالثاً و هذا یدل علی أن للعارف أن یتولی الولایة الاجتماعية السياسية أو تدبیر المدن وسياسة المدن أيضًا فعندما یقوم بدور الهادي فهو یقوم بالتوجيه الفكري وتمثیل المرجعیة الفكرية والعقائدية وحینما یقوم بدور المربي فهو یتولی المرجعیة الأخلاقية والتهذیبیة والتربوية لأن العارف هو تجسيد لاسم الولي وهو من الأولیاء الإلهيين فلما یتجلی شاملاً ویتذیل اسم الولي ویندرج تحت هذه التسمیة في الواقع یتأهل لتولي سياسة المدن في نظام وجوده الخاص حیث یحاول العارف الاتصاف بأربع میزات عامة وشاملة قدر الإمكان هي العقلانية، والروحانية، والحرية، والعدالة سعیاً منه لتکریس الحق وإرساء العدالة الاجتماعية.

لقد طرحت في كتاب “العرفان الاجتماعي في النهضة الحسينية” مسألة العرفان الاجتماعي في النهضة الحسينية ضمن ثلاثة محاور: هي “التعريف”، و”التبیین”، و”التحقق”. وغني عن القول أن هذا الكتاب هو في الحقيقة بحث انتزاعي وانضمامي والذي رأی النور تحت عنوان “العرفان الاجتماعي ماهیته وأسسه ووظائفه” ربما صح توصیفهما أنهما طبعا في وقت واحد مع ذلك فإن کتاب “العرفان الاجتماعي ماهیته وأسسه ووظائفه” كتاب مستقل يسبق كتاب “العرفان الاجتماعي في النهضة الحسينية” رتبةً وقد قدمت شرحاً تفصیلیاً شافیاً بناء علی تعريف العرفان الاجتماعي ومعنی مصطلحات العرفان الاجتماعي والمقومات الأساسية في تعريف العرفان الاجتماعي في كل من الكتاب الأول والثاني في المراحل الثلاث التي مر ذکرها وهي مرحلة التعريف، ومرحلة التبیین، ومرحلة التحقق

جدیر بالذکر أن العرفان في أساسه معرفة شخصية ذاتیة والشهود هو تجربة تحصل للفرد وتاريخيًا، ترتبط کتب تذكرات العرفاء في الأعم الغالب بهذه الزوایا الأخلاقية أو التجارب العرفانیة الفردية فلهذا فإن التوفیق بين مفردي “العرفان” و”الاجتماعي” قد يبدو في الوهلة الأولی “متناقضًا” إذا كيف يتم تحقیق الدلالات الاجتماعية للعرفان وكيف يمكن تقييمها؟

نعم، التجربة العرفانیة تجربة شخصية ذاتیة کما أن الشهود أیضاً تجربة فردية لكن هذا العرفان الذي هو شأن شخصي وفردي ویرتبط بداخل الإنسان في موقف الشهود مبني على تجاوز مجموعة من الأسفار والمقامات الروحية والمنازل السلوکية، وله مؤهلات کما أن له شروط. ولكن يجب أن نأخذ بعین الاعتبار إننا لابد أن نصحح فهمنا من العرفان الإسلامي الصافي لأن العارف في العرفان الإسلامي الصافي وإن كانت تبدأ بمقام الشهود والتجربة سلوکياً لکنه لاحقاً یتطور إلی مقام شهودي وهو قمة العرفان في مرتبة عين الیقین وحق اليقین وفوق ذلك كله مرتبة برداليقين ولكن حسب تعبیر إبن سينا ​​في النمط التاسع من الإشارات فإن “العارف الشجاع عارف يتمتع بشجاعة خاصة وهذه الشجاعة تمنحه روحاً جهاديةً ملحميةً”.

وفي أثناء طي المقامات الروحية يبلغ العارف مرتبة يشعر فيها بالمسؤولية والالتزام تجاه عباد الله وتجاه الآخرين وتجاه إخوانه من بني الإنسان ولا يقتصر الأمر على المسئولیة تجاه الأفراد بمعنى أن یشعر شخص بالمسئولیة تجاه الآخر أو حتی كل الأشخاص بل يشعر أيضًا بالمسؤولية تجاه المجتمع ككل حیث أنه يحدد وينظم أربع علاقات في سياقه الوجودي الخاص بالمقامات الروحية الأولی العلاقة بالله والثانية العلاقة بالنفس والثالثة العلاقة بعباد الله والرابعة العلاقة بالمخلوقات.

حیث أن العارف في العرفان الإسلامي یحمل معاناة وألماً في کل من علاقته بالله وعلاقته بعباد الله إلا أن المعاناة التي یحملها من خلق الله لیس إلا لوجه الله لأنه قد بلغ المقامات العرفانیة والروحية العالیة فهو یری كل شيء حوله من هذا المنظور وبعبارة أخرى إنه قد صار مصداقاً بارزاً لقوله تعالی ” قُلْ إِنَّمَا أَعِظُکُمْ بِوَاحِدَه أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَی وَفُرَادَی ثُمَّ تَتَفَکَّرُوا ” (سبأ: 46) وإن العارف ينهض لوجه لله وهذه النهضة قد تكون نهضة داخلیة وقد تكون خارجیة وقد تحمل البعدین الداخلي والخارجي وهذا النوع الأخیر ینطوي علی أهمية بالغة.

أو بتعبیر آخر إن قوله تعالي في آیة “رِجَالٌ لَا تُلْهِیهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللَّه” (النور: 37) يدل على أن المنطق السائد علی العرفان الإسلامي لا يتعارض والشؤون الاجتماعیة والسياسة والحياة الاجتماعية وإن الروحانيات والشؤون الاجتماعیة تلتقیان في العرفان الإسلامي وليس هناك من عائق تنمع اجتماعهما وبالأحری هما في حقیقتهما أمران متشابكان لاینفصلان

ولذلك يبدو أننا إذا قدمنا تفسیراً صحیحاً عن قضایا کالخلوات والاربعینیات والاعتكاف والتهجد والذكر والزهد وعبادة السحر ومناجاة الله القاضي الحاجات ستختفي لامحالة ثنائيات غیر مبررة کثنائية الزهد والحياة المادیة وثنائية الذكر والحياة الاجتماعیة وثنائية السلوك العرفاني والسياسة وأن الثنائيات المزیفة التي تبلورت في أذهاننا وترسخت تحل في العرفان الإسلامي.

جدیر بالذکر أن العرفاء المسلمون کانوا في الغالب من الذین یحملون المعاناة الاجتماعية ویتحملون المسؤولية تجاه المجتمع وفي هذا السياق قاموا بأدوار مشرفة حسب قدراتهم الوجودية أولاً ووفقاً لمتطلبات الأعصار وحاجات الأمصار ثانياً آخذین بعین الاعتبار الأسالیب والآلیات التي تساعد في تأدیة مسؤولياتهم الاجتماعية ثالثاً.

حتى أن بعض العرفاء من الصحابة وحملة أسرار النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) والأئمة (علیهم السلام) مثل سلمان الفارسي، وكمیل بن زياد النخعي، والرشيد الحجري، وأويس القرني، وحجر بن عدي وأمثالهم، قاموا بأدوار اجتماعية مهمة وکانوا من العرفاء الملحمیین والاجتماعیین وکذلك العديد من الأعاظم کعرفاء مدرسة النجف تولوا قیادة ثورات اجتماعية وسياسية وهذه نقطة مهمة جدا حیث قام هولاء بأدوار إحیائیة وإصلاحیة منهم السيد جمال الدين الأسدآبادي الذي تتلمذ عند المرحوم ملا حسینقلي الهمداني.

وكان بعض کبارنا العرفاء ممن کانوا فقهاء أیضا أصدروا فتوی للجهاد وقد قاموا بهذا الدور خیر قیام خلال النضال ضد الاستعمار البريطاني في العراق وهناك حالات كثيرة إخری لایحتمل المقام ذکرها إلى أن جاء أمثال آية الله الشهابادي أستاذ الإمام الخمیني (رحمه الله) والإمام الخیمني نفسه وکانوا من الذين تجاوزوا جميع المقامات الروحية في نظام وجودهم مع ذلك لقد تجسد الإمام الخمیني(رحمه الله) العرفان الاجتماعي بکل ما تحمله الکلمة من معنی

والحدیث هنا ذوشجون في هذا المجال لذلك ما یشاع بان هناك تناقض بين الفكر العرفاني والاجتماعي لایتراءی فکرة سلیمة. نعم، قد تتراءی متناقضة في الوهلة الأولی لكن في الحقیقة ليست هناك أي تناقض وكما یعبر عنه المعاصرون إنه موهم للتناقض لكن هذا لا يعني أن التعاليم العرفانیة المستقاة من الشریعة ليس له قابلیة استخلاص المسائل الاجتماعیة لنیل الحقيقة حاشا وکلا وهذه النقطة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الزوایا العرفانیة والأخلاقية والتي تبدو فردية، جميعها لها انعکاسات ودلالات اجتماعية أيضًا وکما أن في الأخلاق الإسلامية ثمة فرع یتناول الأخلاق الإسلامية الاجتماعية نری الشيء نفسه في المقامات وکذلك في التوبة فثمة توبة فردية کما أن هناك توبة اجتماعية وأن هناك تقوى فردية وهناك تقوى اجتماعية وأن هناك زهد فردي وهناك ایضا زهد اجتماعي.

کذلك هناك توكل فردي وتوكل اجتماعي وخضوع فردي وخضوع اجتماعي ورضا فردي ورضا اجتماعي حيث أننا إذا راجعنا المفاهيم الأساسية في مجال المقامات العرفانية وحاولنا فهمها فهماً فاعلاً دينامياً دون فهم انفعالي فيمكننا أن نستخلص منها العرفان الاجتماعي والجهادي وهذه نقطة جدیرة باهتمام كما أنها مبدعة للغاية، سنكتفي بهذا المقدار رغم أن هناك الكثير مما يمكن قوله في هذا المجال

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

آخرین دیدگاه‌ها